Follow by Email

الخميس، 4 يونيو 2015

العلم والدين والحرب


علماء

 

يفخر المسلمين بماضيهم ولهم كل الحق بذلك فقد صنع من كان قبلهم حضارة غيرت التاريخ وقدموا إنجازات وعلوم وفكر خدم البشرية كاملة فلولا تراجمهم وكتبهم لخسر البشر كثير من علوم الحضارات القديمة

 

ولكن ما نعرفه عن التاريخ ما هو إلا جزء منه فإلى جانب القوة والعلم والرقي الحضاري يظهر وجه آخر همش وجعل نسيا منسيا ومن أمثلة ذاك مصير وحياة علماء ومفكري الإسلام قديما

 

حورب الكثير من العلماء بدءا من محاربة الفيلسوف حكيم الإسلام علي بن أبي طالب وقتل أبنائه وصولا إلى تكفير ابن سينا, ابن رشد, ابن بطوطة, الرازي والكندي وكثيرون غيرهم ممن وصموا بالإلحاد والزندقة

 

ابن رشد أحد أهم فلاسفة الإسلام درس الفلسفة, الفقه, الطب, الرياضيات وتولى القضاء ولم يشفع له كل هذا من أن يطرد من الأندلس للمغرب وأن يجبر على مشاهد كتبه تحرق مما كان له أثر كبير عليه طوال السنوات الأخيرة من حياته

 

ابن سينا صورة أخرى لعبقرية العالم المسلم أشهر اسم في تاريخ الطب, فيلسوف, طبيب, فقيه وشاعر أتهم بالزندقة والإلحاد ووصف بكونه شيطان من شياطين الأنس وأحرقت معظم كتبه وعنه قال ابن تيمية: "كان هو وأهل بيته واتباعه معروفين عند المسلمين بالإلحاد" - الرد على المنطقيين"

 

أما أبشع ما ارتكب كان من نصيب ثلاثة أولهم بشار بن برد أحد كبار الشعراء وأوفرهم ابداعا وفصاحة يقال بأنه بضربه بالسياط حتى الموت وفي رواية أخرى يقال بانه ضرب بالسيف وشق لنصفين

 

والثاني صالح بن عبد القدوس أديب قتل ثم صلب على جسر بغداد

 

أما الثالث فأبو بكر النابلسي حين اتهم بالكفر والزندقة ضرب بالسوط ضربا شديدا وفي اليوم التالي أمر الخليفة جزارا يهوديا بعد رفض الجزارين المسلمين بسلخه فسلخ من مفرق الرأس حتى الوجه وكان يردد وهو يسلخ (كان ذلك في الكتاب مسطورا)

 

الحلاج فيلسوف متصوف صلب على جذع شجرة ثم سجن وظل مسجونا ثماني سنوات وبعد إحلال دمه ضرب ألف سوط ثم قطعت أطرافه ثم حز رأسه وأحرقت جثته

 

الرازي صودرت كتبه واعتقل وجرى ضربه على الرأس حتى فقد بصره

 

والتاريخ شاهد على كثيرون غيرهم اضطهدوا, حرقت كتبهم وصموا بالكفر وأحلت دمائهم, سجنوا, أعدموا, وعذبوا

 

أعترف بأن الحضارة الإسلامية كان فيها خلفاء أيدوا العلم وقربوا العلماء وأكرموهم ولكن ما ذكرته من علماء خانهم الحظ والزمان والناس

"نحن نعلم جيدا ما قدم هؤلاء العباقرة لخدمة البشرية و ارساء العلوم النافعة والمفيدة وما فيه صالح الناس. ولكن ماذا قدم لنا رجال الدين غير التحريض على كراهية الآخر والدعوة إلى قتاله وقتله وتكفيره و ووضع العقبات والعراقيل بين الناس وربهم وتعقيد الدين ومئات من التفسيرات والسفسطات التي ترفضها الفطرة السليمة والعقل الناقد" (مقتبس)

 

قال العلامة ابن كثير رحمه الله في ترجمة المعز: "... كان يدعي (أي الخليفة المعز الفاطمي) إنصاف المظلوم من الظالم، ويفتخر بنسبه وأن الله رحم الأمة بهم، وهو مع ذلك متلبس بالرفض ظاهرًا وباطنًا، كما قال القاضي الباقلاني: إن مذهبهم الكفر المحض، واعتقادهم الرفض، وكذلك أهل دولته ومن أطاعه ونصره ووالاه قبحهم الله وإياه.


وقد أحضر بين يديه الزاهد العابد الورع الناسك التقي أبوبكر النابلسي، فقال له المعز بلغني عنك أنك قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميت المصريين -أي الفاطميين- بسهم؟


فقال النابلسي: ما قلت هذا، فظن أنه رجع عن قوله، فقال له كيف قلت؟ قال قلت ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر، قال: ولم؟ قال: لأنكم غيرتم دين الأمة، وقتلتم الصالحين، وأطفأتم نور الإلهية، وادعيتم ما ليس لكم.


فأمر بإشهاره في أول يوم، ثم ضرب في الثاني بالسياط ضربًا شديدًا مبرحًا، ثم أمر بسلخه -وهو حي- وفي اليوم الثالث، فجيء بيهودي فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن، قال اليهودي فأخذتني رقة عليه، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات. رحمه الله فكان يقال له الشهيد، وإليه ينسب بنو الشهيد من نابلس إلى اليوم"(2).


وقال الإمامُ الذهبي في السير: "قَالَ أَبُو ذرٍ الحَافِظُ: "سَجَنَهُ بَنُو عُبَيْدٍ، وَصلَبُوهُ عَلَى السُّنَّةِ، سَمِعْتُ الدَّارَ قُطْنِيَّ يذكُرُهُ، وَيَبْكِي، وَيَقُوْلُ: كَانَ يَقُوْلُ، وَهُوَ يُسْلَخُ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ [الإِسرَاء: 58]"
وقال أيضاً: "قَالَ ابْنُ الأَكفَانِيِّ: "تُوُفِّيَ العَبْدُ الصَّالِحُ الزَّاهِدُ أَبُو بَكْرٍ بنُ النَّابُلسِيِّ، كَانَ يَرَى قِتَالَ المغَاربَةِ، هَرَبَ مِنَ الرَّملَةِ إِلَى دِمَشْقَ، فَأَخَذَهُ مُتَوَلِّيهَا أَبُو محمودٍ الكُتَامِيُّ، وَجعَلَهُ فِي قفصِ خشبٍ، وَأَرسَلَهُ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا وَصلَ قَالُوا: أَنْتَ القَائِلُ، لَوْ أَنَّ مَعِيَ عَشْرَةَ أَسهُمٍ... وَذَكَرَ القِصَّةَ، فسُلِخَ وَحُشِيَ تِبْناً، وَصُلبَ"
وذكر ابن العماد في شذرات الذهب عن سنة ثلاث ستين وثلاث مئة: "وفيها أبو بكر بن محمد بن أحمد بن سهل الرملي الشهيد سلخه صاحب مصر المعز، وكان قد قال: لو كان معي عشرة أسهم لرميت الروم سهما ورميت بني عبيد تسعة فبلغ القائد جوهر فلما قرره اعترف وأغلظ لهم فقتلوه، وكان عابداً صالحاً زاهداً قوالاً بالحق""

 

 (إنما يخشى الله من عباده العلماء) والله لم يطالب بالإيمان به فقط هذا تضييق للإسلام والرسالة لقد خلق الإنسان لخلافة الأرض وبنائها وحث الإسلام على العلم وطلبه وتيسير حياة البشر وقدس النفس البشرية ووعد بأقصى العقوبات لمن يهدرها إذا كان جميع العلماء من الملحدين رغم رفضي للمبدأ اساسا على الأقل سيكون لهم مبرر لمن قتل واضطهد هؤلاء ولكنه ماهو إلا الإضطهاد وفرض الرأي ذاك الفكر المنتشر والمتعمق في التاريخ الإسلامي

ما الفائدة المرجوة من ملايين تؤمن بلا وعي ولا علم بلا تفكر وعقل مجرد اتباع الآباء والأجداد لم يقتصر هذا الاضطهاد على علماء الطبيعيات بل تجاوزهم لبعض علماء وفقهاء الدين ممن كانوا أكثر تقبلا وسماحة
وهل لأن الإسلام انتشر على أيديهم فهذا يعطيهم الحق في القتل والتعذيب والسجن والطرد؟؟!! كان الأولى بهم اتباع سنة نبيهم في العدل والالتزام بمكارم الأخلاق

الإسلام ليس مجرد شهادة وفروض بل أساسه المبادئ والقيم العليا من عدل, تسامح, تقبل, حب للعمل, وحسن التعامل مع الآخر ونبذ الظلم والتجبر, حفاظ على العباد وحرص على الاستزادة من المعرفة والعلم ونشرها بدون هذه القيم لن تغني المسلمين شهادتهم بالتوحيد كما لم تغني من كان قبلهم

إن هذا التعامل مع المفكر والعالم كان أول باب دخل علينا منه التخلف الذي نعيشه اليوم والرجعية والإنغلاق

برأيي لا فصل في الحديث عن الحضارة والمدنية بين الجانب المادي والفكري فما قدمه أرسطو و ابن الهيثم وما قدمه أي رسول ونبي بذات الأهمية والقدر لما قدمه أي عالم فيزياء وكيمياء أو مخترع أوحتى علماء الإدارة والاقتصاد

وما قدمه الروم واليونان والهنود والصينين للحضارة البشرية بذات أهمية ومكانة الحضارة الإسلامية هو تاريخ يرتفع فيه أقوام وتدور فيه الأيام

المقياس هو خلافة الأرض وبناءها وتعميرها وقد ساهمت كل هذه الحضارات في ذلك لم يكن الأمر مقتصرا ومحدودا بالمسلمين ربما ما قدموه هو الأحدث أي أقرب لتاريخ الإنسان المعاصر ولذلك الشواهد والدلائل عليه كثيرة
ولكن ما قدمه الفراعنة حضارة أكبر بكثير من مجرد قبور ومباني

وبالرغم من أني أوافق الرأي القائل بأن الحضارة الغربية حضارة الإنسان اليوم أقرب للماديات وأبعد عن الاهتمام بالفكر والعقل إلا أن أي كاره لها لا يستطيع أن ينكر أنها الحضارة الأولى في تاريخ الإنسان التي أتاحت العلم للجميع على كافة المستويات لم يكن في الحضارات قبلها اتاحة الفرصة للألاف والملايين في الجامعات للتحصيل العلمي
فقبل هذه الحضارة وقبل إنسان اليوم وحتى خلال الحضارة الإسلامية كان الفكر والعلم والفلسفة وكل ماله علاقة بمعرفة الإنسان متاحا لفئة من المجتمع مقتصرا عليها أما بقية البشر فكانوا يعيشون في جهل واتباع


ما أقصده لنكن معتدلين ولنحاول أن نبتعد قليلا عن الكمال الذي نرى به حضارة المسلمين والنقص والسوء الذي نرى به غيرها فالمسلم كغيره بشر مجرد بشر ولم تكن حضارة ملائكة وآلهة ولم يكن أول من خدم البشرية ولن يكن آخر من سيقدم لها علما ولا فكرا ولا حضارة فأي دارس للتاريخ سيصل لنتائج تجعله يرى العالم والناس أقرب وأكثر تشابها مما كان يظن


-
حورب العالم والمفكر طوال التاريخ الإنساني وما فعله كهنة الكنيسة قلده وعاظ السلاطين في عصور الإسلام

مما  أبدعت البشرية في تقديمه "فكر تصفية الآخر والقضاء عليه مهما تلونت الحضارات بالتفتح والتقبل وفي المقابل أيضا مما عرفت البشرية على مدار تاريخها وما جاءت به أيامها من رجال هو اضطهاد وقتل ومحاربة الإنسان لغيره  دون وجه حق ولغايات حقيرة كالطموح للسلطة والنفوذ والجاه على مر العصور ومع اختلاف الألسن والأماكن

الفيلسوفة اليونانية هيباتيا أول عالمة رياضيات كما درست الفلك والفلسفة ورغم تفوقها واحترام نخبة القوم لعقلها وعلمها فقد رأت الكنيسة أن التفاف الناس حول فكر هذه المرأة فيه اهانة واحراج لها فنشر الأسقف حينها أن سبب عداء الكنيسة والوالي كان بتأثير هيباتيا وأنهم لن يعرفوا الهدوء إلا بعد التخلص منها فدخلت جموع من العامة لبيتها وجروها من شعرها ونزعوا ملابسها وتم جرها عارية ويداها مقيدتان بحبل في شوارع الإسكندرية حتى تسلخ جلدها حينها قاموا بسلخ ما تبقى من جلدها حتى ماتت فأحرقوها

اضطهدت كل حضارة نتاج الأخرى وقتل الأنبياء والرسل والفلاسفة والمفكرين وإن كان اليهود قتلوا واضطهدوا المسيحين في بداية الدعوة النصرانية فالمسيحين كفوهم أنفسهم بقتلهم أبنائهم بأيديهم وقد استخدمت الكنيسة المسيحية طريقة قتل لم تكن خاصة بها دون سواها فقد سبقها إليها البابلين وورثها بعدهم العثمانيون وسميت بأبشع طريقة قتل في التاريخ الإنساني وهي (الخازوق) وهو كما جاء في المعجم الجامع هو عمودٌ مدبَّب الرأْس ، كانوا يُجِلسون عليه المذنبَ في الأَزمان الغابرة ، فيدخل في دُبره ويخرج من أَعلاه

ومن أوائل من أعدمتهم الكنيسة بهذه الأداة الوحشية الكاهن بطرس دي برويز وذلك لأنه نادى بتعاليم جديدة في الدين واعترض على مسلك وتعامل وأفعال الكنيسة وبذخها
ومنهم أيضا ويليام تندال شنق وعذب بالخازوق وأحرق حيا فقد وصم بكونه مهرطقا فقط لأنه كتب وترجم وطبع الإنجيل

وإلى جانب سقراط وأرسطو ففي تاريخ ضحايا الكنيسة أسماء بعضها يتردد كثيرا وبعضها جعل منسيا مهمشا كوبرنيكوس علم فلك بولندي, جوردانو برونو فيلسوف إيطالي يوهانس كبلر علم فيزيائي, فلكي ورياضي, نيوتن, جاليلو

أما كوبرنيكوس فقد هز الكنيسة بنظريته بأن الأرض تدور حول الشمس منع تداول كتابه وحوكم من قبل محاكم التفتيش واعتبر علمه من وساوس الشيطان وأما جوردانو فقد سجن 6 سنوات فلما رفض ترك رأيه أو تغييره أحرق حيا

وحكم على غاليلو أن يلزم بيته دون أن يزوره أحد وأن يقول بأن الشمس تدور حول الأرض ويقال و يقال أن غاليليو حكم عليه سبعة من الكرادلة بالسجن وأمر بتلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات حتى أشرف على الهلاك، و خشي على حياته أن تنتهي مثل نهاية "برونو" ، حينها أعلن ارتداده عن رأيه، و جثا على ركبتيه أمام "البابا" أريان الثامن، و النطق بالاعتراف الآتي :
((
أنا غاليليو، في السبعين من عمري ، سجين جاثي على ركبتي و بحضور فخامتك و أمامي الكتاب المقدس الذي ألمسه الآن بيدي : أعلن أني لا أشايع بل ألعن و احتقر خطأ القول و هرطقة الاعتقاد بأن الأرض تدور )) .

وقبل جيوردانو أعدم جيو فري فاليه حرقا بتهمة الإلحاد وهو كان مقرا بالألوهية رافضا الأديان ومعاديا لها وممن حرق من العلماء والمفكرين كان جون هس, جيروم البراحي, جان دارك وجوليو سيزار فانيني أحرق في سن الرابعة والثلاثين بتهمة الهرطقة والألحاد ووصل عدد ضحايا محاكم التفتيش في أسبانيا خلال عامي 1790 و 1792 م إلى 30 ألف شخص

أتفق معك في سببية الدين,  فالدين في قضية عداء الإنسان للإنسان هو المخدر الذي يتم تعطيل العقول به لدرجة تسمح للضمائر الإنسانية الطبيعية أن تتقبل أبشع صور اضطهاد وقتل إنسان آخر لأتفه المبررات والواقع في عالمنا المعاصر أن الفرق كبير جدا بين اضطهاد العلماء في الغرب وفي مجتمعاتنا العربية والمسلمة والمجتمع السعودي متقدم عليهم وكل هذا يتم باسم الدين ومقبول تماما على نطاق مجتمعي واسع كما حدث عند دخول الرومان لمدينة صقلية بإيطاليا مئيتين سنة قبل الميلاد 

دراسة تاريخ العلم والدين يجب أن يتم أولا ضمن التاريخ الإنساني قياس هذا العداء ومسبباته تتم ضمن التاريخ والنتاج الإنساني وليس بفصله كليا كما نجده في التاريخ

ففي هذه النظرة الشاملة للقضية تخدير العقول وتسهيل الجرائم المرتكبة باتجاه إنسان آخر, اضطهاد الناس جماعات وأفراد لم يقتصر في هذا في العداء تجاه العلم والمفكرين

لو أردنا أن نجعل القضية منفصلة فلابد علميا أن نقارن كل ماهو خلافها ونقيمه وندرسه ونقرر في آخره بنتائج أمامنا تؤيد أن اضطهاد العلماء باسم الدين اختلف بزيادة أو نقص عن اضطهاد غيرهم من أصناف البشر أيضا باسم الدين, إضافة علينا أيضا أن نقرر بأن نسبة الإضطهاد الحاصل على العلماء في هذه القضية مختلفة (وهنا أعني تماما في الكمية والكيفية والمسببات) عن أي اضطهاد صدر بحق علماء من حقول أخرى خلال التاريخ

سبب ذكري لهاتين النقطتين ببساطة لأن الخلافات الأخرى والمسببات الأخرى والإضطهادات الأخرى لم تفصل في دراستها كما يحدث مع تاريخ العلم والدين

الإضطهاد السياسي, الديني غير المتعلق بالعلم والإقتصادي وغيرها تتم دراستها وطرحها بشفافية أكبر وبشمول أكبر القضية هنا موجهة نحو المجتمع الإنساني أما قضية العلم فدوما موجهة نحو فئة منه مع العلم بأن الإضطهاد الديني على العلم وصل لحدود الإضطهاد الجماعي لمجتمعات كاملة كما حدث بين روما ودول أمريكا اللاتينية

 حينها سيحارب هذا التأثير الكل الفرد خوفا من تغيير عادة ألفها, والمجتمع الديني تخوفا من انعدام دوره وأهميته والسلطة التي ستواجه حينها وعيا قادرا ومتمكنا من فرض رغباته واحتياجاته أي الدين ماهو إلا الصورة التي نلبس القضايا هيئته لغض النظر عما هو أصعب على التغيير

والعالم مقيد بإنسان الشارع وبالإضافة للحصيلة البشرية وقولي بان مجتمعنا وحضارتنا ما عادت تقدم العلم وقدسيته هو لأن العلم اليوم كاد يصبح بحد ذاته دينا قائما يخضع ويتشكل ويقاد وغدا الإضطهاد يأخذ مناحي أخري

الصراع البشري لا يمكن نزعه من فطرة الإنسان, طبيعة وماهية الفرد لا يمكن أن تتغير من خلال وعظ وترشيد رجال الدين ليس الدين بهذه القوة بل اختيارنا الخضوع له حين نرى العالم يقدم تسلسلا تدريجيا منطقيا يعاصره الإنسان في حياته الفعليه وهذا تأثيره أكبر وأعمق وأمام هذا سيجد الدين نفسه أضعف من المنافسة أما حقيقة التاريخ المعاصر هي أنه استبدل الدين بالعلم وبقيت الفطرة والمناهج ذاتها أي بدلت أداة مكان أداة ومازال الأسلوب ذاته ولو كان منهجا مختلفا كليا لوجدنا أمامنا مجتمعات وليس نخبة بوعيي وثقافة أعلى بكثير مما هو الحال

اضطهاد الفكر والعالم منبعه كون الناس أعداء ما جهلوا وكون الطرح المقدم العلمي والفكري تناول هذه القضية وغيرها مما يمس المجتمعات من خلال محاولات القضاء عليها أساسا لا من حيث إدراك نسبة انتشارها والسعي لتخفيضها ولم تفلح حضارتنا ولا ما سبقها في الوصول لهذه الغاية لأنها وهم محدود الأبعاد

قضي على سطوة الدين في الغرب كثيرا واستبدلوها بسطوة العلم والوهم الذي نعيشه هو استمرارية اعتقادنا بأننا في قمة عصر المعلوماتية المحايدة والتي تقدم كل الإجابات متغافلين عن الجوانب الإقتصادية والثقافية والمجتمعية المتأثرة

والقضاء على محاربة العلم ورجاله يتطلب درجة متقدمة جدا في فكر العامة مما يصعب التلاعب بهم ويتطلب رفض كامل للفكر الأفلاطوني ومثالياته وابداع في مشاركة مجتمعية فعالة لتشكيل الفرد والمجتمع وهذا أقرب من ستجد لديهم بوادره هم اليابانيون بينما مجتمعات أمريكا وأوروبا وكثير غيرها تقدمت في انتاجها المادي وباقية في انغلاقها الفكري وأما نحن فتأخرنا في الإثنين

لو كان العلم مقدما لما مورس ضغط على علماء ذوي مكانة عالية في علم الأثار لمجرد أن ما اكتشفوه لا يناسب نظرة المجتمع العلمي ومسلماته

ومثل هذا موجود في الحضارة الصينية والهندية بل ربما لو استطاع انسان النياندرتال أن يروي لنا تاريخه لتشابه بتاريخنا إن كان فيه ما فينا من شر

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق