Follow by Email

الخميس، 4 يونيو، 2015

الفكر الثوري ومراحل تطوره خلال التاريخ البشري 3 مرحلة نشأة الفكرة الثورية وانحسارها


نشأة الثورة الفكرية

لها مرحلتين فرعية

1.     مرحلة الإحياء حين يحاول المجتمع أن يعيد توازنه بإحياء العناصر القديمة (ثقافة, علم, دين وهكذا)  مع الاستفادة من العناصر الحديثة التي أثبتت فعاليتها كالبناء والتطور والتوجهات العلمية الحديثة وهكذا

 

2.     تتبعها مرحلة الاستقرار وفيها ينجح المجتمع في إعادة التوازن بين عناصر بيئته وحضارته وثقافته وخلالها يمتد نفوذ الحركة الفكرية التي نشأت عنها هذه الحضارة الجديدة للغير من مجتمعات أخرى متأخرة فيأخذ إنسان هذه المجتمعات ما يتم تصديره إليه ويتصور بأنها كفيلة بإشباع احتيجاته

التغيير معرفة وسلوك , وثقافة وقيم , وحضارة وعلم وتطور بدون هذه الصفات لن ينجح فكر أو يستمر يقول ابن خلدون" إن التغيير سنة من سنن الحياة , وأمر حتمي لا مرد له , وبدونه تصبح المجتمعات في حالة سكون , يؤدي إلى الانحلال والتفسخ"

 عند ابن خلدون , كما يرى أحد الباحثين, أمر حتمي , ليس في خطوطه الرئيسية ولكن في مدته أيضاً , وعلى هذا المنوال , فإن فكر ابن خلدون يحمل الطابع الثوري , ولاسيما في الجانب السوسيولوجي , وهذا شيء مهم في الموروث العربي لثقافة التغيير

يبدأ الفكر في التشكل والظهور كفلسفة سقراط, بعة محمد, أما فكر النهضة و الليبرالية الحديث وففي بدايته كان يتمثل في الإصلاح البروستاتي الديني

وتتشابه الحركة البروتستانتية  الدينية الجديدة في أوروبا مع بعض نقاط الليبرالية وفكرها الذي يطالب بجعل علاقة الإنسان مع الله علاقة فردية يسويها بينه وبين ربه لا علاقة للمجتمع بها وأن التعصب والتزمت يضر المجتمع والاقتصاد وبدأ بظهورها ظهور أول دعوة لفصل الدين والدولة 

 نشأت الليبرالية كردة فعل للقمع الديني وكحركة غير واعية ولا مؤيدة كليا للعلم بل احتفظت بتوصيفها الديني وستجد أن طبيعتها التي تم تشكيلها لصورتها الحالية المتعددة والمتداخلة والمتشعبة بسبب تعدد تياراتها في بدايات نشأتها ويصعب تحديد الإجماع الأوروبي على عمومياتها ومتى ومن أين بدأ تطورها لشكلها الحديث

ثم بدأ الإنسان بتكوين وعي (تعارض الدين والعلم) و(وعي حتمية التغيير) والذي كانت نتيجته الليبرالية وليس النهضة العلمية

وفي الشرق ظهر نبي الإسلام والدين للتغيير والتبديل والتحسين الاجتماعي وكل فكر من الثلاثة كان موجها لإستغلال الوعي الموجود في المجتمع لخدمة الإنسان وتنظيم حياته

هذه المدارس الفكرية المختلفة في طرحها ومجالها كانت لها غايات محددة تتشارك بها ولكن هناك اختلاف جذري في مفهوم ومدلول كل غاية منها في الفكر الذي يتبناها

ولكن في العموم فهي حركات ومدارس فكرية دعت للتفوق الأخلاقي, المعرفة, الإصلاح المجتمعي والفكري, والبحث عن الحقيقة وتمكين المجتمع من البناء

وأيضا  هي حركات عملية لا مثالية فالإسلام دعا لتهذيب النفس لا لنزع كل شرورها ومفاسدها وقدم منهج اجتماعي اصلاحي وهو دين فيه جزء عملي واضح يساوي بين المقدرة العقلية والعلاقات الروحانية  وكذلك فإن منهج سقراط كان منهج عملي اعتمد فيه على الحوار والتجول بين الناس وتحفيز عقولهم ورزع الشك والتساؤلات بينهم حول واقعهم

وهو توجه شبيه بالتوجه الديني الدعوي الذي تبناه محمد في الحوار والنقاش وفتح المجال أمام الإنسان ليختار والثلاث مدارس كانت أيضا تركز على الفردية الإنسانية وتوجهها كان يعتمد على أن قيمة المجتمع تقاس بقيمة الفرد فيها وهذا أكبر ما أعيب على الإسلام الذي تخلى مستقبلا عن هذا التوجه كليا وتم تحريفه لدين الجماعة أولا والفرد ثانيا فضيعوا الإثنين

في حين تجد خطاب القرآن مساوي وموازي بين المفهومين يخاطب الفرد ويخاطب الناس وقد تختلف الليبرالية الحديثة في أنها قدمت الفرد على المجتمع بينما الإسلام ومثله الفلسفة السقراطية التي كانت أول فلسفة تركز على الإنسان وطبيعته وحياته

كلا الحركات الثلاثة أيضا تشترك أنه اهتمت بتعليم الإنسان الكتابة والقراءة  وجعل المعرفة أساسا ودافعا للسلوك

وما يميز هذه النقلات الفكرية الثلاثة في الفكر البشري أنها اعتمدت السؤال والحوار والبحث في تقعيد وتفعيل  منهجها وأيضا في أنها  تأسست لتحقيق (الفضيلة, بناء المجتمع, بناء الدولة) وتوجهت للشباب أو كان الشباب أول من حمل شعلتها وآمن بها

تعرض اصحاب الفكر من كل منهج لإضطهاد ونفي ومحاربة لهم من السلطة السائدة وعلية القوم وكان هذا الصراع على مساوئه قد خدم هذه المناهج الفكرية وشكل عامل جذب للآخرين نحوها

فالصراع المكي - المدني كان له أكبر تأثير في وعي العرب بهذا الدين الجديد ودعوته والصراع بين المعلمين السقراطيين والسلطة جذبت اهتمام أكبر من المجتمع نحوها في حين أن اللبروستاتية والتي دخلت في حرب 30 عام مع الكنيسة الكاولوكية فحرق رجالها في الغرف المشتعلة وتم تعذيبهم خلالها أدى هذا الصراع إلى تبني ملوك أوروبيين الفكر بعد أن شكل هذا الصراع فئتين في المجتمعات الثلاثة عامل مساعد للوعي والتعاطف والمساندة

انحسار الفكر

وجدت أن "مفهوم حتمية التغيير لابن خلدون" يمكن من خلاله فهم ما يحتاجه الفكر خلال رحلته الزمنية والتاريخية والجغرافية كأحد السنن المهمة

سيبدأ ظهور نوع من الوعي الإنساني تجاه قوة الفكر ذاته وملائمته للمجتمعات التي دخلها حينها سيحاول كل مجتمع بناء صورته الخاصة عما يكون هذا الفكر وما يجب أن يكون عليه

إذا كان الفكر في هذه المرحلة قويا ومرنا فالتأثير عليه سيكون بسيط ولكنه جوهري في دلالته على بدء تشكل وعي الإنسان بالجديد وبأن ما لديه الآن لا يشبع احتياجاته كما يفترض به سيبدأ الإنسان بمحاولات إحياء نموذجه الخاص وهنا (مرحلة وعي الإختلاف) السابقة خلال هذه المراحل ستبدأ حركات فكرية متطفلة أو مولودة من الفكر أساسه في الخروج والصراع مع الفكر نفسه وهي حركات من نوعين فكر معارض مشوه لا يشبه ويسئ للفكر الأم وفكر إصلاحي فرعي سيحاول إعادة الفكر الأم لصول وبسبب أحد سنن الحياة غير الممكن تجنبها (حتمية التغيير) سيبدأ ظهور نوع من الوعي الإنساني تجاه قوة الفكر ووعي القياس والتصحيح وملائمته للمجتمعات التي دخلها حيث سيحاول كل مجتمع بناء صورته الخاصة عما يكون عليه هذا الفكر وما يجب أن يكون عليه

ويتحول لفكر ثابت يفتقد المرونة مختلف عن أصله القديم وتدريجيا سيقل تأثيره وأهميته وهنا سنعود للمرحلة الأولى أو الثانية بحسب الفرق الزمني بين كل فكر ثوري وآخر (الفلسفة والإسلام كان بينهما سنوات طويلة أما الأسلام والليبرالية فالمساحة الزمنية بينهما أقل فالمجتمع البشري تحوله بدء خلال آخر حياة الفكر الإسلامي)

سواء الحركة البرستانتية, الليبرالية, الفلسفة أو الإسلام جميعها ظهرت كردة فعل لوعي الإنسان بواقعه ووعيه بضرورة تحسينه ووعي المقدرة التي تمكنه من ذلك

و هذه الحركات والمدارس كان لها دور كبير في بناء حضارة أهلها ومعارفهم وعلمهم ومدنيتهم فالحضارة اليونانية كان عامود بناءها هو الفلسفة والمنطق وعلماءهما, وحضارة العرب كان عامود بناءها الدين والمعرفة, والعلم كان المحرك الأول في المجتمع البروستاتي لتحوله نحو الليبرالية وبناء النهضة الأوروبية

ومما تشاركت فيه هذه الحركات هو سرعة نهوض الصراع بين متبعيها وإن كان الصراع محمودا ومرغوب به من وجهة النظر التنموية لما يشكله الصراع الإنساني ودوره في الحضارات والتقدم العمراني والفكري ولكنه أيضا يشكل بداية لتغيير مفاهيم هذه الفلسفات وظهور طوائف تدعي أنها جاءت تصليحية لا تدميرية

وبعضها كان على العكس تماما خرج من رحمها ليصبح كل ماهو معاكس ومغاير لكل مبادئها والذي أدى لزعزتها وإن استمرت قائمة

خلال هذه المراحل ستبدأ حركات فكرية متطفلة أو مولودة من الفكر أساسه في الخروج والصراع مع الفكر نفسه وهي حركات من نوعين فكر معارض مشوه لا يشبه القديم ويسئ للفكرالأم (الفاشية من رحم الليبرالية, الصراعات المذهبية الإسلامية, الفلسفة المسيحية الأولى)

وفكر إصلاحي فرعي سيحاول إعادة الفكر لأصوله وبسبب سنن الحياة هي مرحلة مهما كانت عظمة الفكر في وعي أصحابهمن غير الممكن تجنبها (حتمية التغيير)

وهنا سأطرح سؤال

ما تصورك للفكر البشري القادم (ثوري أم تصحيحي فقط)؟؟؟

تدرج تاريخ الفكر (مختلف عن دورة حياة الفكر) من الأسطورة للفلسفة الثورية ومنها للمجتمع الثوري و الدين الثوري

ثم قدم مفهوم الحرية الثورية (الإنسان الثوري) فقبل هذه الحضارة التي نعيشها كان الإنسان جزء من كل تقدم عليه المنطق, المجتمع والدين فجاءت الليبرالية كتطور جديد وضعته هو في الصدارة

وعليه فهذه الحركة للتطورالفكري تربط مفاهيم قبلها تحكمت بها مراحل وسنن حياة الفكر

أي أنه أشبع حاجة وبحث عما يليها وعليه أيا كان الفكر القادم فمجرد احتياج الإنسان له ليس كافيا للتغيير أو الإصلاح

كثيرا ما نسمع بأن الإسلام تتزايد أعداد متبعيه في العالم ولهذا يقدم البعض حجتهم بأن الإسلام قادم لا أعرف إن كان قادما أم راحلا ولكن سنن حياة الفكر قد تقدم لنا إجابة أكثر وضوحا

للتوضيح انتشرت منذ سنوات ظاهرة الفئران في مدينة جدة بشكل كبير فجاء جهابذة الفكر لدينا لفكرة استيراد الغربان للقضاء على الفئران وتم ذلك بالفعل ولكن ما حصل بعدها أن جدة اليوم تعاني من انتشار كبير للغربان ولا أعلم أي حيوان سيجلبون هذه المرة ولكن هذه من طبيعة البيئة والحياة الإنسانية

إذا قمت بقمع فكر ستصنع مشكلة أكبر واختلال للتوازن وبما أن الإسلام اليوم يصوره أهله بالحل المثالي الذي لابد أن لا يكون في الساحة سواه لن يؤدي لثورة فكرية جديدة أو إصلاحية حتى

في تصوري فإن واقع توجه الناس اليوم للدين والروحانيات ردة فعل لقمع الدين عالميا وهو قمع ليس بالقوة التي تجعل المجتمع يتصادم ولكن لا شئ يرتبط بالإنسان لن تجده يقع تحت مفهوم السبب والنتيجة

واهم سنن الحياة هي أن الفكر الثوري لا يموت أبدا وغير ممكن إرجاعه أيضا هو فقط سينحسر ويقل نفوذه وهذا أمر محمود لأن الفكر لا يعرف الثبات والجمود

ولإثبات هاتين النقطتين يمكن النظر للفلسفة الإسلامية في عهد ابن رشد بداية مرونة الفكر وقتها جعل الخليفة المنصور في الأندلس يقرب ابن رشد ويتيح له مناقشة فلسفته وكرحها ولكن هذا الخليفة توفي بعد سنتين وحينها تشكل لدى فقهاء الأندلس بأن ما يطرحه ابن رشد يقدم على حساب الإيمان وصدرت فتاوي تصرح بأن الدين يكفي وهذا ما وجهته مدارس كثيرة "علم الكلام, العقلانيون وغيرهم"

اعتبر الفقهاء بأن ابن رشد خرج عن الدين وحينها ظهر الصراع بين الجماعات الدينية والنخب المثقفة وكان لهذا الصراع أثر سلبي على الدين وهذا ذات ما واجهه الأوروبين في حرب الكنيسة للفلسفة

ونتيجة لذلك بقيت الفلسفة وانحسر الدين رغم أنها في فترة ما تراجعت وانحسرت ولكنها كغيرها من الأفكار الثورية خلقت لتبقى فإنسان اليوم اكتشف قوة العقل واهمية المنطق والتفكير العقلاني, عرف قوة الدين وأهمية الروحانية, عرف قوة المجتمع وأهمية العلاقات الإنسانية وأخيرا عرف ذاته وأهميته المقدمة على كل ما سبقها

ومحاولات إعادة الإنسان لمرحلة سابقة هي تقول للإنسان تجاوز معرفتك لإحتياجاتك وطبيعتك وطبيعة حياتك ولابد أن ترجع خطوة للوراء في مسيرة تطورك الفكري على الرغم بوعيك بها

برأيي إذا كان العالم مقبل على تغيير فهو سيأتي من النوع  الإصلاحي لا الثوري الفاصل عما كن قبله عن ما سيأتي بعده وفي كل الأحوال لابد أن يتصف هذا الفكر في جوهره بقدرته على اعادة إحياء المعاني والقيم الإنسانية, والتعايش والتصادم الحضاري والتبدال الثقافي وتقبل الأديان والإلجاد والأهم أن يبقى يحقق مبدأ أساسي وهو أن لابد أن ينطلق من منظور يصور الإنسان بكونه القيمة الأعلى في الحياة ومنه يسعى لخلق الجديد الثوري أو الإصلاح

هناك تعليق واحد: