Follow by Email

الخميس، 4 يونيو 2015

الفكر الثوري ومراحل تطوره خلال التاريخ البشري1


في عام 2004 قدم عالم اجتماع ومؤرخ بريطاني يدعى كريستوفر بايلي فرضية جديدة أحدثت استحسان واهتمام عالمي في أوساط المجتمع العلمي لعلمي الإجتماع والتاريخ وهي (عالمية التغيير)

ماقدمه بايلي بسيط ومهم وهو إضافة عالمية الفكر كأحد سنن مراحل التغيير في تاريخ الفكر البشري لعلم الأفكار وهو أحد الحائزين على جائزة نوبل وطرحه هذا جاء في كتاب رائع يسمى " The Birth of the Modern World" وما يطرحه الكتاب ألخصه في النقاط التالية:

- بايلي يطرح فرضيات يحاول من خلالها أن يفسر تاريخ الفكر باستخدامه للفكر الحديث ونقلاته خلال الـ 140 عام الماضية (الحداثة, ما بعد الحداثة, طبيعة الحداثة وهكذا...) كنموذج

ولكنه يضيف وجهة نظر جديدة (فرضية عالمية التغيير) تقول بـ "وجود علاقة طردية بين المراحل التاريخية للتطور لكل مصطلح فكري وبين عالمية التغيير"  وهذه العالمية بحسب طرحه  لها زوايتان رئيسية  التبادل الثقافي,الحضاري, المادي والمعرفي وتغير هرمي بحيث تكون كل مرحلة في تاريخ الفكر نشئت لإشباع حاجة الفكر الإنساني

- أن المجتمع عرف العالمية والتواصل العالمي قبل العصر الحديث وعليه ليس فقط أن العلم تراكمي بل أنه سافر جغرافيا وتناقله الناس وأثر في حياة المجتمعات المختلفة وتأثر بها

واحاول في الطرح تتبع نهج مرحلي متسلسل سياقي هرمي  كمثال ما قدمه عالم الاجتماع ولاس " دورة التغير الثقافي" ولكون الفكر والثقافة أمران يتداخلان ولا يتطابقان فلا يمكن أخذ نظرية ولاس كما وضعها دون تشكيلها بما يناسب موضوع البحث فالثقافة مفهوم محلي والفكر الثوري مفهوم عالمي

قياسي يدرس حركة الفكر ودورة حياته وهرمي يشرح التطور الفكري الإنساني وما يجب اشباعه من حاجات

الفكر الثوري أو الحركة الفكرية الثورية أقصد بها " أي حركة فكرية تتضمن تغيرات اجتماعية, ثقافية, عقلية, علمية وبشرية عالمية كنتيجة لها  ويشترط أن ينتج عنها حضارة  في فترة تاريخية وأنها حققت الصدارة والقوة والنفوذ"

 وان يقدم الجديد أو تغيير جذري وجوهري للقديم ومن خلاله حصلت نقلة في التاريخ البشري الإجتماعي والفكري وهو فكر باقي مستمر لايموت وإن تراجع دوره ونفوذه وهيمنته واعتراه التشويه والتبديل

وسأطبق الفرضية على ثلاث حركات فكرية تاريخية تتصف بهذه المواصفات (الحركة الفلسفية الإغريقية, الحركة الدينية الإسلامية, الحركة الإنسانية النهضوية) 

لن أقدم لكم حقائق أو إجابات كاملة شافية بل فقط وجهة نظر نتاج اطلاع وقراءة وشغف بالتاريخ لإيماني بضرورة أن يتم الإنطلاق من الفكر لكل من يحاول فهم حاله ومحيطه وتاريخه بعيدا عن النزاعات والصدام الحضاري والمفاهيمي والمقارنات الفلسفية ومن منطلق موضوعي بحثي بحت

ما أحببته خلال بحثي أني وجدت الفكر (الثوري) مثله مثل أي كائن حي لا يمكن ثبات طبيعته وخصائصه وهو بذات الوقت تتحكم به سمات لا تتغير بالمكان ولا بالزمان أو بمستوى المعرفة والتحضر وله سمات وسنن أخرى سيتضمنها البحث وهي:

·       مبدأ العالمية (كل فكر يتطلب تغيير عالمي لحدوثه ويمتد أثره جغرافيا) بمعنى أن هذا الفكر سيزامنه في أغلب مراحله تغيير خارج بيئته يؤثر عليه ويتأثر به

·       له المقدرة على التعايش مع الأفكار الأخرى وبذات الوقت الهيمنة والنفوذ

·       التغيير هو تدرجي مرحلي بمعنى أنه تدرج خلال تاريخه من الأسطورة للنهضة الإنسانية

·       المجتمعات والبيئات المتصفة بالتآخي والتضامن بصورتها المسالمة المتآخية ليس ممكن لها أن تنتج أو تبني

·       لا يمكن نجاح الحركة الفكرية بدون مشاركة الرجل والمرأة في المجتمع معا فالإفكار لا تنشأ وتتطور بعيدا عن الإنسان طبيعته, بيئته ودوره ولذلك عند دراسة الأفكار يجب ان تطرح مراحل حياته بالسياقات التاريخية التي أنتجتها والتطور الهرمي للإحتياجات

بما أني لن أضيف الأسطورة للبحث سأكتفي بالقول "أن ما قدمته الأسطورة للإنسان من خرافات هي كل ما يحاول الإنسان تحقيقه تخيل الإنسان الطيران في أسطورة الرجل الطائر ديدالوس, والإنسان المجنح كمثال ومثال آخر هو الكرة الزجاجية التي ترى من خلالها ما يدور في العالم المحيط بك "

وتشكل فهم ووعي من نوع جديد لدى الإنسان وهو أنه يحتاج للوهم والحكايات الخيالية والعقلانية والروحانية معا فكما يقول اينشتاين (الخيال أهم من المعرفة, فالمعرفة محدودة بما نعرفه الآن وما نفهمه بينما الخيال يحتوي العالم كله وكل ماسيتم معرفته أو فهمه إلى الأبد)

ومعرفة صفة وطبيعة أهم معالم التراجع المجتمعي لها دلالة كبيرة لوضع تصورعن طبيعة القادم وما سيضيفه للتاريخ البشري

الإغريق كان الإنسان يفكر من منطلق  الخرافة والمعجزات ويعيش حالة فعليه ما قدمه هذا التاريخ جاء بصورة المجادلة والحوار وإعمال المنطق وإدراك الحقيقة والمعرفة (نظرية السبب والنتيجة, أهمية العقلانية, ودراسة الطبيعة ودور الإنسان المجتمع والبيئة)

العرب في تراجع ديني وروحاني كبير إضافة للتراجع المعرفي  واجتماعي فاحتاج الإنسان لفكر روحاني اجتماعي يحقق له التوازن (ادراك المعرفة الإجتماعية والروحانية ووعي المعرفة)

في أوروبا سيطرة الكنيسة على العلم والفلسفة والتعارض الديني العلمي وقمع الفكر ومحاربة العلماء و فجاءت النهضة العلمية متناسبة مع احتياجات المجتمع وتلاها مفهوم الإنسانية (أهمية الفرد منفصلا ومتقدما عن المجتمع والبيئة)

لم يخلق الإنسان هذه المفاهيم لعبا ولهوا وتطور مستواه المعرفي لا علاقة له بحاجاته وقيمه ووعيه (ليس كل إنسان ولكن الأغلبية) في حاجة لتوازن بين "الخيال, الحكمة, الفلسفة. الدين, العلم, والحرية وتقديم الذات " أمور إذا ما فقد أي منها المجتمع البشري لن يستطيع المضي قدما"

حركة الفكر الثوري ومراحل حياته في التاريخ البشري

ما قبل النشأة (سقوط القديم وتشوهه لدرجة كبيرة وليس كليا, الثبات والسكون والإستبداد العقلي والسلطوي والعسكري)

مرحلة ما قبل النشأة  "طبيعتها الثبات والإستقرار والركود" لا يدرك الإنسان خلال هذه المرحلة مفاهيم كالإختلاف, النقص, وإمكانية التغيير وغيرها من الأمور التي يحتاج تشكيلها ليتحفز في ايجاد حلول وبدائل

 

هذا المجتمع ينطبق عليه قول المفكر علي شريعتي (عالم في اتساع حارة)

يتصف المجتمع في هذه المرحلة هو أنه مصاب بالتفسخ والإنحلال أو التخلف والركود وتتراجع فيه المعرفة والمدنية (لكنها لا تختفي كليا) وتضيع ملامح البناء والتنمية وينعزل عن العالم المحيط " حالة من الوجود الساكن", ينتشر فيه الإستبداد والقمع والحروب والنزاع

- في اليونان عاش "سقراط" في الفترة الانتقالية فيما بين ازدهار الحكم الاثيني وانهياره, ضعف سلطة الدين لفترة بعدها ظهر الإستبداد الديني والسياسي ووجود فراغ عقائدي ومعرفي

الحكم الإسبرطي وهيمنة السلطة العسكرية على الحكم, تحول لمجتمع  لذكوري همشت فيه المرأة , انتشار الفكر الأسطوري وتعدد الآلهة في البحث المعرفي والفلسفي

  تزايد الفروقات الطبقية الإجتماعي, حكم الأقلية من النبلاء وشيوخ القبائل والإقطاعيين. تراجع الحضارة الإغريقية وتحكم فارس بالدول اليونانية وانتشار القادة والحكام الفاسدين

- بين العرب انتشر التراجع الكبير في فكر الوحدانية (الإله الواحد) بالأخص في الجزيرة العربية التي انحسرت فيها الحنيفية, وفاة الإسكندر ونهاية العصر الهلنستي تراجع المعرفة اليونانية والإنحطاط انقسمت اليونان لدول متفككة ومتناحرة

-خلال الأربعين سنة السابقة لبعثة محمد تم تدريجيا التخلى عن صورة الخالق الواحد في أوروبا أيضا وهذا وصل للقبائل العربية عن طريق المناذرة والغساسنة واستعمار الفرس والبيزنطين للدول العربية

- الصراع والحروب بين الممالك العربية والقبائل على الحكم ومصادر العيش , التعصب والطبقية الإجتماعية, وتراجع الحضارتين الرومية والفارسية و انتقال صورة المرأة في المجتمع من المكانة العليا للتهميش (ليس كلي) ولكن موجود

- في أوروبا, تملك الكنيسة للفلسفة والمعرفة والسياسة, انحطاط التفكير العقلاني وانتشار التعصب الديني,  انحسار وتراجع الحضارة الإسلامية, تحريم الكتابة, الفقر والإنشغال بمفاهيم الغيبيات والطقوس

عودة التفسير الديني  بعد انحسار الفلسفة الإغريقية والإسلامية العقلانية للظواهر.  تهميش دور ومكانة المرأة الإستبداد الديني  والعسكري, الصراع والحروب

مجتمع فيه الناس العالم لا يتعدى محيطهم , انشغالهم واهتمامهم منصب نحو عيش الحياة اليومية والماديات, وبينهم فمفاهيم العائلة والأبناء والشعائر والدين هي المرجعية العقلية والحياتية  وتهميش دور المرأة والفكر وانتشار الجهل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق